٢٦‏/٧‏/٢٠٠٩

خلق آدم . . خلق الخالق

http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=60049



خلق آدم.. خلق الخالق / مايكل أنجلو










لوحة خلق آدم هي اللوحة الرابعة ترتيباً على سقف الكنيسة السيستينيا في الفاتيكان، قام برسمها مايكل أنجلو خلال الأعوام 1508-1512، وهي اللوحة الأبرز بين تسع لوحات متتالية على سقف الكنيسة، تجسد قصص وأساطير الخلق مقتبسة من العهد القديم.


اللوحة في مجملها مقسمة إلى حقلين متساويين، القسم اليساري الأرض «الجانب المادي» في هذا القسم يظهر آدم ممداً باسترخاء، يده اليسرى مسندة على ركبته اليسرى، عيناه شاردتان في اللامكان، أما القسم الآخر اليميني السماء «الجانب الروحاني» وفيه يظهر الخالق والملائكة محاطين بعباءة أرجوانية، يد الخالق اليمنى ممدودة بشدة نحو يد آدم وأصابعهما تكاد تتلامسان.
عندما اكتشف الدكتور الأميركي «فرانك مشبرجر»، منذ أكثر من عشرين عاماً، أن مجمل الجزء اليميني من اللوحة- المكون من الخالق وملائكته والعباءة التي تحيط بهم- إنما تشكل مقطعاً عرضياً تفصيلياً لمخ الإنسان، فتح أبواباً لإعادة تحليل وتأويل اللوحة، حينها قال الدكتور «مشبرجر» إنه كان من الأنسب أن تسمى هذه اللوحة «هبة (منحى) آدم»، على فرض أن الرسالة التي حاول أنجلو ترميزها في اللوحة تقول إن اللمسة الأخيرة التي منحها الخالق للإنسان، والتي هي كما صورتها لنا الأدبيات الدينية قبس من روحه، ليست إلا العقل الواعي، خلق آدم جسدياً في تلك الأدبيات كان سابقاً على نفحة الروح الإلهية، في اللوحة يظهر آدم ممدداً على التراب الذي خلق منه، هامداً غير مدرك لما يدور حوله قبل الحصول على هذه الهبة التي ستكون مفتاح ولوجه لأسرار الكون.
لكن تأويلات أخرى ذهبت باتجاه آخر حين قالت إن تأطير الخالق وملائكته بمقطع عرضي لمخ الإنسان بهذا الشكل إنما يرمز إلى أن عملية الخلق هي معاكسة، فالخالق والملائكة وكل ما يمت للعالم الماورائي بصلة إنما هو من خلق العقل البشري وليس العكس، فآدم في اللوحة لا تبدو عليه إرهاصات الخلق بل هو أقرب إلى المتأمل الشارد، وبالتالي لا وجود للعالم الماورائي إلا في مخيلة العقل البشري.
الافتراضان السابقان كان من الممكن أن يحتملا شيئاً من الصحة لو كانت لوحة «خلق آدم» اللوحة الوحيدة التي يظهر فيها الخالق والملائكة على هذه الشاكلة، لكن تجسيد الخالق وملائكته في مقطع عرضي للمخ البشري يظهر في اللوحتين السابقتين للوحة «خالق آدم» على سقف الكنيسة السيستينيا وهما لوحة «فصل الماء عن اليابسة» ولوحة «خلق الكواكب والنجوم» والتي لا وجود لآدم فيهما، وبالتالي لا أدوار للخلق، والتبادل هنا.
بكل الأحوال لم يكن مايكل أنجلو ملحداً، بل على العكس كان مقرباً جداً من السلطة الدينية، لو كان كذلك لم يكن ليودع نتاجه حبيس أسقف وجدران الكنائس، لكنه كمعظم فناني عصره كان متأثراً بالتيارات الغنوصية الأكثر عمقاً، فأعمال أنجلو لا تعكس فقط المناخ الثقافي والديني للقرون الوسطى، بل هي أيضاً متأثرة بالأفلاطونية المحدثة التي تلقاها على يد
Marsillio Ficino وpico della Mirandola
والتي تنعكس جلياً في لوحاته وكتاباته وأشعاره، انتماءات أنجلو ستبدو أكثر وضوحاً لو دققنا أكثر في رموزية لوحاته، ففي لوحة «القيامة» التي تعتلي مذبح الكنيسة السيستينيا نجد في الجانب الأعلى الأيسر ملائكة تحمل صليباً وعلى موازاتهم في الجانب الأيمن ملائكة تحمل عموداً، وعلى جدار الكنيسة نفسها هناك لوحة للنبي آرميا بوجه مطابق لوجه مايكل أنجلو.
محاولة تجسيد الخالق والقوى الماورائية محاولة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية البدائية، فآلية عمل العقل البشري التي تعتمد على الصور في عمليتي المعرفة والإدراك تجعل من تجسيد الأشياء ضرورة ملحة، لكن التجسيد يوجب التفصيل والتفصيل يوجب الرسم والرسم يوجب الوصف والوصف يوجب الوظيفة، على العكس من ذلك فإن واحدة من بديهيات الأفلاطونية المحدثة تقول إن أياً من الحقائق الإلهية لا يمكن تجسيدها أو تصورها بالعقل البشري، وإن أي محاولة لإيجاد مفهوم إنساني عن مفهوم الله سيكون بالضرورة مفهوماً قاصراً، فتجسيد من هذا النوع هو أقرب إلى الخلق والابتكار والإبداع، وأي صورة من هذا القبيل هي محض خيال من نتاج العقل البشري لا غير، فإحاطة أنجلو للخالق بعباءة أرجوانية لها شكل مقطع عرضي للعقل إنما هي إشارة لما يسمى المصطلح التصوفي «حجاب العقل»، وتجسيد الخالق على شكل إنسان ليس إلا إشارة إلى أن أي تجسيد للخالق إنما يكون صورة مطابقة للمجسد ذاته في الصورة والمعتقد، هذا ما يورده محي الدين ابن عربي في «كتاب المعرفة» حين يقول في «مسألة الرؤية بحسب العقيدة»: (لابد لكل شخص من عقيدة في ربه- يرجع بها إليه، ويطلبه فيها- فإذا تجلى الحق تعالى في صورة معتقده عرفه فأقر به، وإن تجلى له في غيرها أنكره وتعوذ منه..
فلا يعتقد معتقداً إلهاً إلا بما جعل في نفسه، فالإله في الاعتقاد بالجعل، فما رأوا إلا نفوسهم وما جعلوا فيها).
الرموزية باب الغموض والغموض باب التأويل، لابد منها (الرموزية) في النتاج الإنساني فهي كالطريق الذي يسلكه السالك للوصول للحقيقة المدفونة خلفها، تقديم إجابات مباشرة لم يكن يوماً من وظيفة الفنان أو الأديب المبدع، بل على العكس من ذلك وظيفتها الأولى هي إثارة الأسئلة لتحريك الإنسان وتحريضه.


هوشيار محمد


h.sher@yahoo.com



عن صحيفة الوطن السورية

٢٥‏/٧‏/٢٠٠٩

الفن المعاصر – الحديث محاولة لوصف اللاموصوف

لقد خلقت تيارات الفن الحديث مقومات جديدة لعلم الجمال، ومفاهيم بعيدة كل البعد عن تلك التي سادت في العصور الوسطى وعصر النهضة، مقومات أكثر تحرراً، خلقتها الآليات المنتهجة للتعبير عن الخبرات الفنية التي هي من ناحية أخرى ترجمة رمزية لتجارب الفنان الوجدانية. لقد عمل الفن الحديث، ابتداءً من المدرسة الانطباعية 1872- التي كانت التمهيد لظهور مدارس الفن الحديث- إلى السريالية مروراً بالتعبيرية والتجريدية التكعيبية والمدارس والحركات الأخرى التي زخر بها الفن الحديث، قفزة نوعية في نقل الاهتمام من مستوى الشكل إلى مستوى المضمون، وبهذا باتت التجربة الداخلية للفنان العنصر الأهم في تكوين العمل الفني فهي لابد أن تظهر جلياً في نتاجه، هذه التجربة ليست مقيدة بمحاكاة الواقع بشكل مفصل بل هي وصف وإظهار للمهم، حتى إن كان هذا المهم غريباً ومتناقضاً ولا واقعياً.

إن المهمة التي أخذها على عاتقه الفن الحديث هي التخلي عن الواقعية التصويرية وإهمال السطح الخارجي في محاولة التعميق في الذات الإنسانية بحثاً عن الغامض فيها، عن المجهول المطلق الذي يؤرقها، ذاك الجزء الذي لا يستطيع الواقع والعلم الوصول إليه والإفصاح عنه، ذلك الجزء الذي لا يوصف ولا يُعرف ولا يُفهم، وهنا كانت أكبر إشكاليات الفن الحديث في محاولته لوصف هذا اللاموصوف وخلق آليات للتعبير عنه.
لذلك لجأ الفن الحديث لخلق لغته ومفرداته الخاصة، لغة تعبر عن الأشياء دون أن تفهمها، لغة تحاول الغوص في اللاشعور وتصويره، بالاعتماد على التعبير بالألوان عن أفكار اللاشعور والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام، تخلصت هذه اللغة من مبادئ الرسم التقليدية واعتمدت على الغموض والتعقيد، فهي منبع فني لاكتشافات تشكيلية رمزية لا نهائية، تحمل مضامين فكرية انفعالية تحتاج إلى ترجمة كي يدرك مغزاها.
وبذلك فقد تستحوذ لوحة تشكيلية على إعجابنا دون الضرورة لفهمها لأنها ببساطة رسمت بلغة تعبر عن الأشياء دون أن تفهمها، فقد تتشكل لدينا ذات الدلالات العميقة التي حاول الفنان التعبير عنها بصدق ومباشرة، أو قد تلمس دلالات ورموزاً أخرى في خبراتنا المتراكمة، أو قد تبقى عصية على الفهم وهذا هو الجزء الأجمل في الفن الحديث، عدم الاعتماد على مدى وضوح لغة الرسالة أو رموزها بل على مدى تقارب صاحب الرسالة الفنية ومتلقيها في:
1 – وجود خط مشترك بين الطرفين متمثلاً في الخبرات المتراكمة لفهم معاني الرموز.
2 – وجود خبرة مشتركة تمثل الإطار الدلالي.
كان أهم دوافع الانتقال من التصويرية والنسخ البارد إلى التدخل في إعادة تشكيل حدود الأشياء وتركيبها وتوزيعها وتحريرها من نمطيتها شكلاً ولوناً هو انتهاء تبعية الفنان للأوساط البرجوازية والدينية التي كانت ترعى الفن في العصور الوسطى بتلاشي هذه الفئات في عصر النهضة والميل الكبير نحو التعبير عن الذات، بالإضافة إلى الحركة الثقافية الفكرية والنظريات العلمية التي عاصرت ظهور هذه المدارس والتي أولت الخصائص الإنسانية الفردية للبشر أهمية خاصة، فلم يعد الفن يعبر عن الكنيسة أو الدولة أو إحدى فئات المجتمع حيث أخذت الكاميرا والتصوير الفوتوغرافي هذا الدور بل اكتسبت وظيفتها المستقلة في التعبير عن حاجات الفنانين وعكس طموحاتهم ورصد ذواتهم القلقة.
في حقبة الفن الحديث أنت لست بصدد فن يضعك في مقام المتلقي السلبي بل أنت أمام رموز ودلالات تضعك في مقام المشارك في حلها وترجمتها إلى المعاني، فمساحات شاسعة من الغموض تركت كمرتع للخيال الخصب، فالفن تخطى كونه تمثيل الشكل باللون والخط إلى تنظيم الأفكار والانفعالات وفقاً لإمكانيات الخط واللون، من التعبير عن شكل إلى التعبير عن مضمون.

هوشـيار محـمد

٥‏/٥‏/٢٠٠٨

القهوة البحرية

11